ابن حمدون

60

التذكرة الحمدونية

ثم غنّت الرابعة : [ من الطويل ] سأفني بك الأيام حتى يسرّني بك الدهر أو تفنى حياتي مع الدّهر عزاء وصبرا أسعداني على الهوى وأحمد ما جرّبت عاقبة الصّبر ثم أخذت الصورة فعانقتها وبكت ، وبكين ثم شكون إليها جميع ما كنّ فيه ، ثم أمرن بالصورة فطويت ، ففرقت أن يتفرّقن قبل أن أكلَّمهن ، فرفعت رأسي إليهنّ ، فقلت : لقد ظلمتنّ الغربان ! فقالت إحداهنّ : لو قضيت حقّ السلام ، وجعلته سببا للكلام ، لأخبرناك بقصّة الغربان . قال قلت : إنّما أخبرتكنّ بالحقّ ، قلن : وما الحقّ في هذا ؟ وكيف ظلمناهنّ ؟ قلت : إن الشاعر يقول : [ من الكامل ] نعب الغراب برؤية الأحباب فلذاك صرت أحبّ كلّ غراب قالت : صحّفت وأحلت المعنى ؛ إنّما قال : [ نعب الغراب ] بفرقة الأحباب فلذاك صرت عدوّ كلّ غراب فقلت لهنّ : بالذي خصّكنّ بهذه المحاسن ، وبحقّ صاحبة الصورة لما أخبرتنني بخبركنّ . قلن : لولا أنّك أقسمت علينا بحقّ من يجب علينا حقّه لما أخبرناك : كنّا صواحب مجتمعات على الألفة ، لا تشرب واحدة منّا البارد دون صاحبتها ، فاخترمت صاحبة الصورة من بيننا ، فنحن نصنع في كلّ موضع نجتمع فيه مثل الذي رأيت ، فأقسمنا أن نقتل في كلّ يوم نجتمع فيه ما وجدنا من الغربان لعلَّة كانت . قلت : وما تلك العلَّة ؟ قلن : فرّقن بينها وبين آنس كان لها ، ففارقت الحياة ، وكانت تذمّهنّ عندنا وتأمر بقتلهنّ ، فأقلّ ما لها عندنا أن نمتثل ما أمرت به ، ولو كان فيك شيء من السواد لفعلنا بك فعلنا بالغربان ، ثم نهضن . ورجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بما رأيت ثم طلبتهنّ بعد ذلك فما وقعت لهنّ على خبر ولا رأيت لهنّ أثرا .